fbpx
Search
Close this search box.

الروح القدس وعمله فينا في ضوء تعاليم القديس كيرلس الكبير : المقال الأول

المقال الأول

من هو القديس كيرلس الكبير؟

 

يرى أحد أساتذة الآبائيات «أن السبب الأول لأهمية الآباء لنا، ليس لأجل أن نعرف مَنْ كانوا؟ وما هي تعاليمهم؟ لكن أن نذوق مناخهم الروحي. أن نتحسس آثار الروح القدس في شخصياتهم المقدسة. أن نضع أصبعنا على صراعهم من أجل الحق. أن نحيا شيئًا من خبراتهم الإلهية، من رؤياهم، من أفراحهم، من اختطافاتهم من العالم إلى السماء. نتتبع إيمانهم وثقتهم العميقة في الروح القدس». [1]

لذا علينا أن نتعرف على حياة القديس كيرلس وكذلك على صراعه من أجل سلامة الإيمان، نتعرف على الأمور الصعبة التي واجهته منذ بداية حبريته، نتتبع على يد مَنْ تتلمَذ وكيف انغمس في عشق الأسفار وحفظها، وآثار كتابات الآباء السابقين في منهجه وأسلوبه في مواجهة الظروف المحيطة وأيضًا في كتاباته التفسيرية والعقائدية.

 

من هو القديس كيرلس الكبير؟


  • هو بابا الإسكندرية الرابع والعشرون.
  • وهو الملقب بالبابا كيرلس الكبير، وأيضًا «البابا كيرلس عمود الدين»[2] ويلقب القديس كيرلس الكبير «معلم التجسد ومفسر “الكلمة صار جسدًا”»؛ وبازدياد النشاط في دراسة أفكاره وعقيدته لم يملك العلماء المتخصصون إلا أن يسموه أيضًا «معلم الحياة الروحية»، لأنهم اكتشفوا أن كل همه كان أن يبشر بعقيدة الثالوث وعقيدة طبيعة المسيح كأساس لبناء حياة روحانية للإنسان صحيحة وثابتة[3]
  • عاش القديس كيرلس في عصر الآباء الذهبي (وهو الخمس قرون الأولى)، هذا العصر كان يقدم لنا لحظة نادرة من التاريخ الكنسي فيها تحقق توازن دقيق بين التمسك الأمين بالتراث القديم المنحدر من الرسل وبين إلهام جديد بلغ ذروة نضوجه واكتمال ثماره. كان معظم الآباء في هذا العصر من الأساقفة الذين قادوا كنائسهم في بلاد متفرقة من المسكونة بأسرها، في الإسكندرية، وأنطاكية، وفلسطين، وكنيسة الغرب، وشمال أفريقيا، والآباء الكبادوك. على أنه بعد نياحة القديس يوحنا ذهبي الفم والآباء الكبادوك دخل عصر الآباء في مرحلة جديدة بدأت فيه الأسماء اللامعة تصبح نادرة، ومن بينها نجد القديس كيرلس الكبير[4]
  • كان يكفي في الكنيسة الأولى أن عبارة من العبارات يقال إنه قد نطق بها القديس كيرلس، فتعتبر هذه العبارة عبارة مقدسة لأنها تخرج من إنسان مقدس لله.[5]
  • تأخذ تعاليم القديس كيرلس مكان الصدارة في الكنيسة في العالم كله، ليس في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية فقط، بل في الكنائس الأرثوذكسية الخلقيدونية والكاثوليكية ومعاهد اللاهوت البروتستانتية أيضًا.

 

نشأته وحياته


  • وُلِدَ في مدينة الإسكندرية في أواخر القرن الرابع، وعلى الأرجح ما بين 375م – 380م. ورُسم بطريركًا عام 412م، وتنيح في عام 444م.[6]
  • هو ابن أخت البابا ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية الـ 23، وهو الذي كان له دور كبير في رعايته وتعليمه من عمر مبكر له في الثانية عشر من عمره، فكان له تأثير كبير على حياته.
    • فأرسله إلى برية شهيت وهو في الـ 20 من عمره.
    • ثم استدعاه بعد خمس سنوات وقام برسامته شماس أوغنسطس (قارئًا) وطلب منه أن يشرح الكتب المقدسة للشعب.
    • وفي سنة 404م رُسم قسًا بكنيسة الإسكندرية وانطلق يعظ ويعلم الشعب ويفسر الكتب المقدسة ويقدم الإيمان الصحيح، ومنا هنا بدأت تظهر موهبته التعليمية وشخصيته الروحانية.
  • كان يواظب على حضور اجتماعات الكنيسة اليومية حيث كان الكهنة والشمامسة يعلمون الشعب أصول الإيمان، كان يوجد في الكنيسة اجتماعات لتعليم الموعوظين أساسيات الإيمان وكان يقوم بهذا التعليم الكهنة والشمامسة ممن كُلفوا من قِبل الكنيسة.
  • تلمذة القديس كيرلس:
    • في برية شهيت: عندما أصبح حوالي الـ 20 من عمره، أرسله البابا ثاؤفيلس إلى برية شيهيت إلى دير القديس أنبا مقار (حوالي خمس سنوات، 394 – 399م) فتتلمذ على شيوخه الروحانيين وكانت برية شيهيت في هذا الوقت في أوج نموها وازدهارها الرهباني، وكان هناك العديد من الأسماء اللامعة[7]. قرأ هناك العهدين القديم والجديد على يدي خليفة الأنبا مقاريوس الكبير الأب سرابيون، وكان يمضي الليل كله ساهرًا يحفظ الكتب المقدسة حتى يسمَّع في الصباح ما حفظه لأبيه الروحي[8]. فقد حفظ في خمس سنين جميع الكتب المقدسة وأعطاه الرب نعمة وفم قلب حتى قيل عنه إنه إذا قرأ كتابًا مرة واحدة كان يحفظ ما فيه عن ظهر قلب.[9] وهناك أيضًا تشرب الحياة النسكية وفضائلها التي ظهرت في سلوكه وخطاباته في العديد من المواقف.
    • مدرسة إسكندرية اللاهوتية: حضر كيرلس دروس المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية على يدي ديديموس الضرير.[10]
    • كتابات الآباء السابقين: دَرَس القديس كيرلس مؤلفات من سبقه من الآباء مثل العلامة أوريجينوس، والقديس أثناسيوس، والعلامة ديديموس الضرير، كما أطلع أيضًا على مؤلفات القديسين باسيليوس القيصري وغريغوريوس النيزينزي.

فلم تقتصر ولم تُحد تلمذة القديس كيرلس على الآباء القديسين المعاصرين، ولكن كان ينهل من كل بستان فضائله، فمزج بين تعليم الآباء النُساك، وتعليم الآباء المُفسرين، والآباء المُعلمين. جمع بين التعاليم والفضائل الروحية والنسكية، وبين التعاليم اللاهوتية، والتعاليم الكتابية. ولم يكتفِ القديس كيرلس بتعاليم من حوله من المعاصرين، ولكن بحر في تعاليم من سبقوه، ولم يقرأها فقط، بل كان يحفظها، وتتلمذ عليها وأحبها وعلَّم بها. وكان لغة القديس أثناسيوس واضحة جدًا في كتاباته، ومضمون تعليمه الروحي، بل وحتى الكثير من الألفاظ، حتى انه دُعي «ابن أثناسيوس»[11] فأصبح له أثناسيوس أبًا وإن لم يراه.

  • دَرَس القديس كيرلس اللغات القديمة الشائعة في أيامه وهي العبرية والسريانية، ولكنه كتب باليونانية وربما القليل بالقبطية[12]
  • هو من ترأس مجمع أفسس في يونيو 431، وهو المجمع المسكوني الثالث، الذي تم فيه عزل نسطور [13]عن كرسيه، وأقر المجمع قانون إيمان نقية، مع التأكيد على لقب والدة الإله العذراء مريم (ثيؤتوكوس). [14]
  • بالرغم من أن حياته لم تكن هادئة، ولكن مليئة بالعواصف الشديدة منذ أول يوم في رسامته بطريركًا (خصومات قد تركها له خاله البابا ثاؤفيلس، مع يهود ووثنيين الإسكندرية وقضية القديس يوحنا ذهبي الفم، وعواصف جديدة جاءت من القسطنطينية بظهور بدعة نسطور) ولكنها لم توقفه أو تمنعه بالجلوس أمام الله والتلذذ بكلمته واللهج بها ساعات طويلة، حتى يصل إلى هذا الزخم الروحي والملء بالروح الذي أنار عقله وقلبه بكل هذه الأمور الإلهية وأعلن بداخله الحق ليشهد به. واستطاع أيضًا أن ينتج هذا الحجم من الكتابات التفسيرية والعقائدية.
  • حقق القديس كيرلس المعادلة في تفسير الكتاب المقدس بين الرمزية والحرفية أو التفسير التاريخي، فكان يشرح الإطار التاريخي، ثم يعبر به إلى الغني الروحي وسر المسيح بداخله، فكانت الملامح الأساسية للتفسير عند القديس كيرلس هي:
    • الأساس الخريستولوجي: أن الإيمان الصحيح بسر التجسد هو ضرورة أساسية للتفسير، إذ أن الكلمة المتجسد هو القانون والمعيار الذي يُقاس عليه التفسير الصحيح.
    • الأساس الروحي: وهو أن يتخذ الحرف أو التاريخ أساسًا له إذ فيه يتعرف على «سر المسيح» «سر التدبير الإلهي» … فبحسب القديس كيرلس يجب أن نعبر من الكلمة الكتابية والتي تصف الكلمة بطريقة بشرية إلى الفهم الروحي الإلهي.
    • الأساس الكنسي: الكتاب المقدس يُفهم فقط داخل الكنيسة وذلك بالروح القدس الحاضر في الكنيسة. الطبيعة البشرية بمفردها لا تستطيع أن تكشف الأسرار الإلهية (شرح يوحنا 11) … الروح القديس ينير الذهن ليفهم ما هو مخفي ومستتر وراء النص اللغوي، لأن الكلمة الكتابية كما قلنا سابقًا هي عادة كلمة تخفي داخلها المعنى الروحي. إن سر الله هو عطية إلهية للإنسان، لكي يستطيع أن يصل إلى معرفة هذا السر وذلك فقط بغنى النعمة الإلهية (شرح يوحنا 4: 1). هذا العمل يتممه الروح القدس، الذي يمنح الطبيعة الإنسانية الصلاح أي معرفة الأسرار الإلهية، هذه المعرفة تنير القلب والعقل. لذلك لأجل فهم سليم للكمة الكتابية يتطلب صلاة نحو الله لكي يرسل نوره لينير العقل (شرح يوحنا 4: 3).

إذن التفسير الصحيح للكتاب والذي ينتهي إلى الرؤية الروحية، إلى جمال الحق هو عطية الله وعطية المسيح وعطية الروح القدس (شرح يوحنا 3: 3)

  • لقد درس البابا كيرلس «الآباء» جيدًا، وعكف على قراءة كتاباتهم بعناية فائقة. وكان يحتفظ في خزانة البطريركية بالنسخ الأصلية لكتابات آباء الإسكندرية بالذات لتكون هي النسخ القياسية التي تقاس عليها النسخ المتداولة بين أيدي الأساقفة في أنحاء العالم.[15] وكان يؤكد على حتمية الرجوع للآباء مما سبقوا في شرح الكتب المقدسة فيقول: «نحن ندعو المخلص ينبوعًا، والأنبياء القديسين والبشيرين والرسل وكل الذين امتلأوا في ذواتهم من الروح القدس كمثل أنهار تفيض في هذا العالم بمياه التعليم عن الخلاص حتى تبلغ السماء، فتفرح وجه الأرض»[16]
  • لم يكتف القديس كيرلس باللهج في دراسة الكتب المقدسة، والرجوع إلى الآباء السابقين فقط، بل كان يرى القديس أهمية تفسير الكتاب المقدس في كل جيل، كما جاء في مقدمة تفسير سفر هوشع:

… كيف لا يكون مِن الأفضل التوسع في شرح المفاهيم وعرضها بأكثر سهولة؟ بالتالي، على الرغم أن كثيرين قبلنا كتبوا مفسرين كتابات الأنبياء القديسين، فذلك لا يمنعنا من الحديث، بل علينا أن نرفض التردد والخمول، وبقدر النعمة التي يعطينا لنا نحن أنفسنا هذا الذي يكشف الأعماق والخفيات، سوف نجعل هذا العمل واضحًا للآخرين، حاملين في ذاكرتنا المسيح الذي يقول: «مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا» (مت 10: 8).[17]

  • قام بترجمة قداس مرقس المعروف باسم القداس الكيرلسي، لم يقم القديس كيرلس بكتابة القداس الكيرلسي كما هو منسوب في بعض كتب الخولاجي، ولكن قام بترجمته من اليونانية إلى القبطية، كما يُذكر في بعض الطبعات: «قداس القديس كيرلس الكبير وهو البابا الرابع والعشرون في عداد البطاركة الملقب بعمود الدين، وهو القداس الذي وضعه أبونا القديس مرقس الرسول كاروز الديار المصرية».[18] وهناك رأي آخر أن القداس منسوب للقديس مرقس مكملًا بيد القديس كيرلس الكبير[19]
  • عمل على إعادة الوحدة في 433م: حاول الإمبراطور نفسه بما له من تأثير أن يعيد السلام مرة أخرى بين القديس كيرلس ويوحنا الأنطاكي، لأن كل منهما يمثل اتجاهًا لاهوتيًا مختلفًا عن الآخر. أرسل يوحنا الأنطاكي بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية برسائل للقديس كيرلس، وصيغة إيمانية ساعدت أن تكون أساسًا للاتفاق. وقد قبلها القديس كيرلس وأرسل ثانية إلى أنطاكية رسالته المشهورة صيغة إعادة الوحدة 433م. وهكذا حُلت المشكلة، ولكن صيغة إعادة الوحدة نفسها تناولها كل من الفريقين بطريقة مختلفة. وتوقف الجدل بين الأنطاكيين والإسكندريين مؤقتًا، ليظهر ثانية في صورة متطرفة في مجمع خلقيدونية 451م.

 

تأثير حياته الأولى في البرية على حياته:


إن تلمذة القديس كيرلس في شبابه المبكر على آباء برية شيهيت أمر ذو أهمية بالغة في معرفتنا لسر حياته. لأن ما لا يمكن إنكاره أن شخصية البابا كيرلس في مظهرها الخارجي كانت متسمة بالحزم وصلابة الرأي، لكننا نلحظ خطًا خفيفًا آخر في شخصيته هو ليونة الجانب ورقة القلب جدًا. وهذا هو ما طبعته فيه الحياة الرهبانية.

  • فنحن نعجب أشد العجب من حكمته الملهمة في معالجته للقضايا التي تركها له سلفه البابا ثاوفيليس. فبالرغم من أن القديس كيرلس صَاحَب خاله البابا ثاوفيليس وهو ذاهب إلى بلدة «البلوطة» بجوار خلقيدونية ليحرم القديس يوحنا ذهبي الفم، إلا أنه بعد رسامته أسقفًا فصل ثانية في هذه القضية بمنتهى الشجاعة والصراحة وحل الحرم الواقع على القديس يوحنا ذهبي الفم وأدرج اسمه في «الذبتيخا» Diptych (وهو لوح يحوي أسماء القديسين الذين تذكرهم الكنيسة في قداساتها). وقيل إن السر في ذلك التصحيح الشجاع الذي تحمل القديس كيرلس مسئوليته يرجع إلى أنه تلقى رسالة من أبيه الروحي الأب إيسيذوروس البيلوزومي[20] يحضه على سرعة فض هذا الخصام قال فيها: «إذا كنت أباك كما تدعوني.. فضع حدًا لخصامك هذا حتى لا يحكم الله عليّ أنا.. ما لك والانتقام من أجل ذنب خصوصي؟ لا تحمِّل كنيسة الله الحية شر المنازعات الخاصة»[21]
  • وكمثل آخر لروح السلام والمحبة التي كانت تملأ جوانبه وهو في مرارة المحنة مع نسطور نجده يكتب هذه الكلمات المخلصة:

أنا أروم السلام، ليس أبغض عليَّ من المعارك والمشاحنات. إني أحب كل العالم، وإن تيسر لي أن أردَّ أخًا عن ضلاله فبكل قدرتي وبكل جهدي، بل إنني مستعد أن أفعل ذلك بكل الفرح؛ لأن الألفة هي ما أضعه فوق كل اعتبار. لكن الكلام هنا يتعلق بالإيمان وبالعثرة التي أصابت كل الكنائس في الإمبراطورية الرومانية، وبالتعليم المقدس الذي قد استؤمنا عليه.. فكيف إذن يمكننا أن نصحح هذه الأخطاء؟ إني أقدر أن أحتمل بهدوء كل الآلام وكل الإهانات وكل الشتائم في سبيل أن لا يمس الإيمان أية خسارة على الإطلاق.

إني ممتلئ بالمحبة من جهة الأسقف نسطوريوس، ما من أحد يحبه بحرارة قدر ما أحبه أنا… فإن كان بحسب وصية المسيح نحن ملزمون بحب أعدائنا أنفسهم، فمن باب أولى أليس من الطبيعي أن نتحد بحب خاص مع أولئك الذين هم أحباؤنا وشركاؤنا في الخدمة المقدسة؟

أما إن تعرض الإيمان للهجوم، فلا نتردد حتى في بذل حياتنا. فإن كنا نرهب المجاهرة بالحق لئلا تجرنا هذه إلى القنوط، فكيف يسوغ لنا في اجتماعاتنا أن نرتل لجهادات قديسينا الشهداء وانتصاراتهم، وفي نفس الوقت نغبطهم لأنهم حققوا هذه الكلمة التي في سفر حكمة بن سيراخ 4: 28 «الجهاد من أجل الحق حتى الموت»[22]

  • بل إن أمامنا أيضًا ذلك الموقف الصعب الذي اجتازه القديس كيرلس أثناء انعقاده مجمع أفسس حينما أهانه يوحنا بطريرك أنطاكية وعقد مجمعًا وحرمه واتهمه بالهرطقة واستعدى حاكم المدينة عليه فحبسه. لكن القديس كيرلس ظل يلاحق يوحنا بالرسائل وغيرها حتى أقنعه وردَّه إلى استقامة الإيمان. وما أن وصل إلى يدي البابا كيرلس رسالة من البطريرك يوحنا تحمل اعترافه بالإيمان الصحيح حتى سارع وكتب إليه رسالته الشهيرة التي مطلعها:

«من كيرلس إلى سيدي وأخي الحبيب وشريكي في الخدمة يوحنا

سلامًا في الرب. فلتفرح السموات ولتتهلل الأرض لأن حجاب الانقسام قد ارتفع، والحزن قد كفَّ، وكل نوع من الخلاف في الرأي قد انتفى..»

  • وظهر أيضًا بوضوح المنهج النسكي الرهباني في رسائله الفصحية كما وضح القمص يوحنا عطا مترجم الكتاب إلى العربية:

… وإن كانت الجوانب النسكية غائبة عن أعماله العقائدية، إلا أنه في هذه الرسائل نجدها حاضرة بقوة. إن الحياة النسكية التي تدعو إلى الترك والتخلي وتعد بالتغيُّر، مُعبَّر عنها هنا بطريقة أكثر عملية. فتوضح الرسائل قوة الصوم وبقية التدريبات الروحية على التغيير. بحسب كيرلس، فإن الناس العاديين في حياتهم العادية، يجب أن يسيروا، ولو بدرجة أقل، في طريق الوصول إلى هدف طريق الرهبنة نفسه ألا وهو الأباثيا Apatheia (الارتفاع عن الشهوات)[23]

هذا هو الخط الرهباني الخفي في شخصية كيرلس التي اكتسبها من حياته الرهبانية الأولى.

 

 

 

كتاباته:[24]


القديس كيرلس أحد الكُتاب غزيرو الإنتاج في تاريخ الأدب المسيحي المبكر. وتشغل كتاباته عشرة مجلدات من مجموعة ميني (من رقم 68 – 77). وهذا يمثل فقط ما وصل إلينا من كتاباته، لأن أكثر من ذلك قد ضاع عبر التاريخ.[25] وتتميز كتاباته بالعمق وثراء الأفكار، والدقة والوضوح في النقاش مما يثبت موهبته التأملية والجدلية، ومما يجعل كتاباته مصادر من الدرجة الأولى في الأهمية لتاريخ العقيدة والتعليم الإيماني.[26]

فقد تنوعت كتابات القديس كيرلس ما بين تفسير الكتاب المقدس (بعهديه القديم والجديد)، والكتابات العقائدية (ما قبل النزاع النسطوري وبعده)، والرسائل. ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: تنتهي بظهور البدعة النسطورية سنة 428م، وهذه المرحلة كانت مكرسة لتفسير أسفار الكتاب المقدس بعهديه، والدفاع عن الإيمان ضد البدعة الأريوسية.

المرحلة الثانية: تبدأ من سنة 428م بظهور البدعة النسطورية وتنتهي بنياحة القديس كيرلس، ومعظم كتابات هذه المرحلة مكرسة عن التعليم الصحيح في التجسد، ضد البدعة النسطورية.

1. الكتابات التفسيرية


 أ. تفاسير العهد القديم

  • السجود والعبادة بالروح والحق: يُقدم السبعة عشر كتابًا «عن السجود والعبادة بالروح والحق» في شكل حوار بين القديس كيرلس وبالاديوس تفسيرًا رمزيًا استعاريًا نماذجيًا لبعض الفقرات المختارة من أسفار موسى الخمسة، وهي لا تتبع ترتيب نص العهد القديم، ولكنها جمعت بدون أي إشارة لترتيبها وذلك لإثبات أن الناموس أُبطل فقط في الحرف وليس في الروح. فيجب أن تُفهم الأنظمة التشريعية للعهد القديم بكونها رموزًا نماذجيًّة للسجود بالروح.
  • جلافيرا (التعليقات اللامعة): وهي 13 مقالة وتعتبر مكملة «للعبادة بالروح والحق»، وهو أيضًا تفسير مقاطع مختارة من الأسفار الخمسة الأولى، ولكن ليس على شكل حوار. وتقسيم إلى 7 مقالات مخصصة لسفر التكوين، و3 مقالات للخروج، ومقالة واحدة لكل من اللاويين وعدد وتثنية.
  • تفسير سفر إشعياء: مكون من 5 كتب يفسر فيها جميع إصحاحات سفر إشعياء.
  • تفسير الأنبياء الاثني عشر الصغار: يحوي 12 جزءًا لكل سفر من الأنبياء الصغار.
  • شذرات من تفاسير أخرى: بعض منها كبير جدًا؛ وهي شذرات من أسفار الملوك، والمزامير، بعض الأناشيد، والأمثال، نشيد الأنشاد، أرميا، حزقيال، دانيال.

وفي هذه التفاسير يعتمد القديس كيرلس على المنهج الإسكندري وأحيانًا بتمادي أكثر. ويشرح القديس طريقته في التفسير هكذا: «انزع ما لا منفعة من ورائه في التاريخ، واستعد إلى حد ما صلابة الحرف (في الناموس)، وأدلف إلى ما داخل قلب الزرع، أي افحص باجتهاد شديد الثمرة الداخلية لما أوصينا به واستخدمها كغذاء لك»[27]

ب. تفاسير العهد الجديد

  • إنجيل يوحنا: وهو من أهم تفسيرات العهد الجديد الذي يشغل مجلد 73 كله ونصف مجلد 74. ويشير القديس في مقدمته إلى أن الاهتمام الخاص يجب أن يوجه إلى المعنى العقائدي للنص ورفض الأفكار الهرطوقية. وهو ينقد بحدة فكر الأريوسيين والأرنوميين وطريقة مدرسة أنطاكية في شرح طبيعة المسيح.[28]
  • إنجيل لوقا: هو عبارة عن تجميع عظات على النص الإنجيلي لأغراض عملية وليس عقائدية.
  • وهناك تفاسير مفقودة: على إنجيل متى، ورسالة رومية، ورسالتي كورنثوس، ورسالة العبرانين.

 

2. الكتابات العقائدية


يقول الدكتور عدنان طرابلسي:

اللاهوت كله لم يكن يومًا مجرد نظريات وفلسفات، وجدليات ومقولات. فلا نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش، صناعة واختراع إنسان (أعما 17: 28- 29). اللاهوت هو حياة يسوع المسيح في قلوب محبيه، التي تجلت هذه الحياة بالروح القدس الساكن فيهم. ولولا الهرطقات والعقائد الغريبة الدخيلة، لما انسكبت حياة الآباء في قوالب كلامية فكرية. ولظلت في أطر حياتية، تتجلى في جهاداتهم وصلواتهم، في نسكهم وأصوامهم وأسهارهم، فيعاينون الله، ويعانقونه، ويخاطبونه وجهًا لوجه، بدون الحاجة إلى الكلمات والجمل.

والمهمة الصعبة التي تنتظرنا اليوم هي إعادة هذه القوالب الفكرية الكلامية إلى أصولها الحياتية التي يعيشها الإنسان، والعمل بها، لتتجلى في حياتنا، في أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا[29]

 

فلو لم يظهر تيارات الهراطقة، وحاجة الكنيسة إلى الرد عليهم، والدفاع عن الإيمان المستقيم، لازال اللاهوت هو موضوع عبادتهم الصامتة أمام الله، والتمتع بالاتحاد به، وإدراك أسراره التي لا تُدرك

كتابات ما قبل النزاع النسطوري (دفاعية ضد الأريوسيين):

  • الكنز في الثالوث الأقدس المساوي في الجوهر (الكنز في الثالوث): يعتمد القديس كيرلس بالأكثر على القديس أثناسيوس، ويلخص بوضوح وببراعة في الإنجاز الجدل ضد الأريوسية. وهو يعتمد أولًا على البراهين الإنجيلية.
  • على الثالوث الأقدس المساوي في الجوهر (حوار حول الثالوث): ويتكون من 7 حوارات مع صديقه إرميا.
  • كتابات ما بعد النزاع النسطوري (دفاعية ضد نسطور):
  • ضد تجاديف نسطوريوس
  • على الإيمان القويم
  • الحروم الاثنا عشر ضد نسطور
  • الاحتجاج لدى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير
  • تجسد الابن الوحيد
  • ضد من ينكرون أن العذراء مريم هي والدة الإله.
  • ضد ديودوروس الطرسوسي وثيئودوروس أسقف المصيصة.
  • المسيح واحد.

 

3. الرد على كتب يوليانوس الجاحد ضد المسيحيين

 

4. الرسائل الفصحية: وعددها 29 رسالة، وقد كُتبت بين عامي 414م و 442م.


توصف الرسائل في مقدمة كتاب الرسائل الفصحية ترجمة القمص يوحنا عطا أنها:

لقد استخدم القديس كيرلس هذه الرسائل للكرازة، وأراد أن يوضح محبة ابن الله الشديدة للبشر ودخوله الإخلائي لهذا العالم الفاسد، وأنه بالتجسد نقلهم المسيح إلى حياة جديدة لا موت فيها ولا فساد ورسالته تلك لا تصل أبدًا مجردة. فكل فكرة لاهوتية تصل مُغلفة بسياق كتابي وتنمو من خلال مقابلة النصوص بعضها ببعض. ويهدف كيرلس إلى أن يفكر شعبه بالنصوص حتى ينغرس كلام الكتاب عميقًا في القلب والعقل. فبحسب كيرلس فالشعب الكتاب هو أيضًا شعب روحي. وإن كانت الجوانب النسكية غائبة عن أعماله العقائدية، إلا أنه في هذه الرسائل نجدها حاضرة بقوة. إن الحياة النسكية التي تدعو إلى الترك والتخلي وتعد بالتغيُّر، مُعبَّر عنها هنا بطريقة أكثر عملية. فتوضح الرسائل قوة الصوم وبقية التدريبات الروحية على التغيير. بحسب كيرلس، فإن الناس العاديين في حياتهم العادية، يجب أن يسيروا، ولو بدرجة أقل، في طريق الوصول إلى هدف طريق الرهبنة نفسه ألا وهو الأباثيا Apatheia (الارتفاع عن الشهوات)[30]

كما يوصف جوهانس كواستن جانب آخر من الرسائل بانها:

… وبالرغم من طابعها الأخلاقي والعملي، إلا أنها تحتوي على عدة شروحات عقائدية، حيث تردد صدى الجدالات الخريستولوجية الخاصة بتلك الحقب. وهكذا فالعظات (الرسائل) 5، 8، 17، 27 تدافع عن عقيدة التجسد ضد الهراطقة الذين ينكرون أزلية الأبن، في حين تناقش العظة 12 عقيدة الثالوث.[31]

 

5. العظات:


 لم يتبق من العظات التي ألقاها القديس كيرلس طوال سنين حياته غير 22 عظة، وتم جمعها تحت عنوان «عظات متفرقة»

 

إعداد مدرسة راكوتي بإذن من الكاتب

 

 

 

 

 

 

[1] جورج عوض إبراهيم، القديس كيرلس الإسكندري والكتاب المقدس، (القاهرة، جورج عوض إبراهيم، 2014)، 19.
[2]  سير القديسين والشهداء في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تم الاطلاع عليه 25/5/2023 ومتاح على الإنترنت https://st-takla.org/Saints/Coptic-Orthodox-Saints-Biography/Coptic-Saints-Story_1492.html
[3]  دراسات في آباء الكنيسة، إعداد أحد رهبان برية القديس مقاريوس (القاهرة، دار مجلة مرقس)، 445.
[4]  دراسات في آباء الكنيسة، 446.
[5]  تادرس يعقوب ملطي، «البابا كيرلس عمود الدين البابا كيرلس والدفاع عن الإيمان القمص تادرس يعقوب ملطى»، Soundcloud.com، تم الاطلاع يوم 24 مايو 2023، ومتاح على https://on.soundcloud.com/Cj1h8
[6]  تادرس يعقوب ملطي، نظرة شاملة لعلم الباترولوجي: في الستة قرون الأولى، ط1 (الإسكندرية: كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس باسبورتنج، 2008)، 94.
[7]  دراسات في آباء الكنيسة، 449.
[8]  جورج عوض إبراهيم، 20.
[9] دراسات في آباء الكنيسة، 449.
[10] جورج عوض إبراهيم، 20.
[11]  دراسات في آباء الكنيسة، 486.
[12] جورج عوض إبراهيم، 20.
[13]  كان في وقتها بطريركًا للقسطنطينية، وكان هو وأتباعه ينكرون الاتحاد الأقنومي بين الله الكلمة وبين ابن مريم فقالوا: «لا ينبغي على أخد أن يدعو مريم ثيؤتوكوس»
[14] تادرس يعقوب ملطي، نظرة شاملة لعلم الباترولوجي: في الستة قرون الأولى، 98.
[15]  دراسات في آباء الكنيسة، 482.
[16]  المرجع السابق، 452.
[17]  كيرلس الإسكندري، شرح سفر هوشع، ترجمة د. جورج عوض إبراهيم، ومراجعة د. نصحي عبد الشهيد، ط1 (القاهرة: المركز الإرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، 25.
[18]  إبيفانيوس (الأنبا)، قداس القديس مرقس: القداس الكيرلسي، ط2 (القاهرة: دار مجلة مرقس، 2018)، 20، 1.
[19]  دراسات في آباء الكنيسة، 498.
[20]  كان لدى القديس ايسيذوروس علاقات كثيرة مع الإسكندرية، بدأت حياة ايسيذوروس عندما أعتلى القديس أثناسيوس كرسي الإسكندرية، لكن أزمنة نضج ونشاط ايسيذوروس تغطي الأعوام 390 – 432م، وبذلك كان لديه علاقات كثيرة بالحري مع البابا ثاؤفيلس والقديس كيرلس. وكتب القديس ايسيذوروس ثماني رسائل إلى كيرلس، من هذه الرسائل نعلم أن كيرلس كان يقدر ايسيذوروس داعيًا إياه «أبًا»، وبالرغم من إن ايسيذوروس يصف كيرلس بأنه «ممتاز في كل شيء»، لم يتردد أن ينتقد تصرفه بشدة في قضية إعادة القديس يوحنا ذهبي الفم. وأيضًا كتب القديس ايسيذوروس للقديس كيرلس شرحًا يضمن فِهم عبارة: «طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة» مستخدمًا مصطلحات مثل بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، التي استخدمت فيما بعد. وكان كيرلس موضع تقدير ايسيذوروس في جهاده ضد النسطورية مثلما كان أثناسيوس ضد الأريوسية. (انظر؛ رسائل القديس ايسيذوروس الفرمي، ترجمة د. جورج عوض إبراهيم، ومراجعة د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الإرثوذكسي للدراسات الآبائية)، 48-51).
[21] دراسات في آباء الكنيسة، 449، 50.
[22] المرجع السابق، 450.
[23] كيرلس الكبير: الرسائل الفصحية، ترجمة: القمص يوحنا عطا، ط1 (القاهرة: مدرسة الإسكندرية، 2023)، 41.
[24]  دراسات في آباء الكنيسة، 491-498؛ جورج عوض إبراهيم، 23-29؛ جوهانس كواستن، علم الآبائيات «باترولوجي»: المجلد الثالث «العصر الذهبي للأدب الآبائي المدون باللغة اليونانية»، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي، دكتور نادر مدحت لبيب، ط1 (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2021)، 160-174.
[25]  دراسات في آباء الكنيسة، 491.
[26]  جورج عوض إبراهيم، 23.
[27]  دراسات في آباء الكنيسة، 492.
[28]  المرجع السابق، 493.
[29]  عدنان طرابلسي، الرؤية الأرثوذكسية للإنسان، (بيروت: منشورات النور، 1989)، 20.
[30] كيرلس الكبير: الرسائل الفصحية، 41.
[31]  جوهانس كواستن، 171.

شارك المقال مع اخرين

اكتشف المزيد

روحية
Rakoty CYCS

حزقيال النبي.. وكلمة الله..

كلمة لنيافة الأنبا يوأنس في عيد ميلاد مدرسة راكوتي الرابع عن حزقيال النبي وكلمة الله. حزقيال النبي وكلمة الله – نيافة الأنبا يوأنس by Rakoty

عايز تدرس معانا ؟

تصفح العديد من البرامج والدروس المتاحة