fbpx
Search
Close this search box.

الروح القدس وعمله فينا في ضوء تعليم القديس كيرلس الكبير: المقال الثاني

المقال الثاني

1 – القديس كيرلس يدافع عن لاهوت الروح القدس من منظور خلاصي

كعادة آباء ومعلمي كنيسة الإسكندرية؛ فإن دفاعهم عن لاهوت المسيح والروح القدس لم يكن أمرًا نظريًا أو فلسفيًا أو لمجرد الدفاع عن ديانة اسمها المسيحية بل كان دفاعًا عن الحياة الجديدة والخلاص الذي صار للبشرية بسبب من تجسد ابن الله وموته وقيامته ومن سكنى روح الله فينا أي من منظور خلاصي (يرتبط بخلاص الإنسان). يقول القديس كيرلس في حواره السابع حول الثالوث (مع الشخص الاعتباري إرميا):

هل يمكن أن تسأل المعاندين: لماذا نُدعى هياكل لله بل بالحري آلهة إن كنا بالفعل شركاء مجرد نعمة بسيطة لا كيان لها؟ لكن الأمر ليس كذلك، لأننا هياكل للروح الحقيقي الكائن، ولهذا نُدعى أيضًا آلهة،[1] لأنه من خلال اتحادنا به نصبح شركاء الطبيعة الإلهية غير الموصوفة. أما لو كان الروح الذي يؤلهنا هو غريب ومختلف بحسب جوهره عن الطبيعة الإلهية، فحينئذٍ سنفقد رجاءنا وسنفتخر-ولا أعرف كيف- بكرامات غير موجودة. وكيف نكون -في هذه الحالة- آلهة وهياكل لله كما هو مكتوب بواسطة الروح الساكن فينا؟ لأن مَنْ ليس هو الله، كيف يستطيع أن يهب الآخرين أن يكونوا هكذا؟[2]

                يا لهذا الوعي بالنعمة الإلهية المعطاة للبشرية، والدفاع عنها؛ يقول القديس كيرلس ما معناه، لو لم يكن الروح القدس هو واحد مع الآب والابن في الجوهر، سنفقد رجاءنا! ونكون كمن يفتخر بكرامات وهي غير موجودة! سيكون الحديث عن كوننا هياكل لله وشركاء الطبيعة الإلهية حديثًا سخيفًا وافتخارًا باطلًا. ويقول أيضًا:

                والكتاب الموحى به …. يعلم علانيةً أنه لا يمكن أن يصير في داخلنا اتحاد بالله إلا عن طريق الروح القدس. وبالفعل خاطب ربنا يسوع المسيح كل مؤمن صالح قائلًا: «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا.» وأيضًا قوله: «بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ.» لأنه لن يكون إلهًا حقيقيًّا بحسب طبيعته مَنْ يسكن في داخلنا إن كان الروح الذي قبلناه غريبًا أو منفصلًا من جهة الطبيعة عن الله….[3]

                القديس كيرلس يعيد الكلام نفسه بألفاظ متنوعة؛ فكيف تَدَّعي الكتبُ المقدسةُ أن الله يسكن فينا بروحه القدوس، إن لم يكن الروح من طبيعة الله نفسها؟! ويتساءل في تفسيره لإنجيل القديس يوحنا:

 لأنه إن قال أحدهم إن الروح ليس من جوهر الله، فكيف إذًا سيكون للخليقة بنوالها الروح شركة مع الله؟ وعلى أي أساس سنُدعى هياكل لله، ونكون له هياكل فعلًا، إن كنا ننال روحًا مخلوقًا أو غريبًا عن الله، وليس بالحري ذاك (الروح) الذي من الله؟ وكيف يكون الذين يشتركون في الروح، شركاء الطبيعة الإلهية، حسب كلمات كتبة الوحي القديسين.[4]

وقد خَصَّصَ القديس كيرلس المقالتين 33 و34 من كتابه «الكنوز في الثالوث» شهادةً لألوهية الروح القدس، وجاءت معظم الدفوعات من منظور خلاصي؛ فمثلًا يتخذ من عطية الشركة في البنوة (بنوة المسيح) للآب أنها دليل على أن الروح القدس ليس من رتبة العبيد (المخلوقات) ولا كخادم بل بسلطان لاهوته:

يكتب بولس لآخرين بالصدق ومتحدثًا باستقامةٍ، ويقول: « إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ». 16 اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ.» (رو 8: 14 – 15). بالتالي، إذا كان الروح القدس الذي هو فوق كل شيء، يجعل أولئك أبناء الله، إذن فلنصرخ بدالة: «يا أبَّا الآبُ»، وبالتالي فهو لا يُحسب ضمن العبيد، ولا المخلوقات، بل بحسب الطبيعة له ذات جوهر الله، ويأتي منه، وهو يُمنح للقديسين بواسطة الابن، ولأجل هذا يؤله[5] ويدعو إلى البنوة أولئك الذين يحل فيهم.[6]

          إن قوة فعل الروح القدس فينا من حيث إنه يُصعدنا إلى رتبة البنوة بسبب أنه يُسكِن فينا المسيحَ الابنَ، وأيضًا يُغيرنا على شكله، تجعل من البديهي أن يكون للروح طبيعةَ الابن نفسها:

          مكتوب أيضًا: « اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ.» (رو 8: 16). فلأنه يأتي من جوهر ذاك الذي يمنحه للقديسين، أي من نفس جوهر المسيح، ولأنه، عندما يأتي الله الكلمة ويسكن في داخلنا بواسطة الروح، نصعد إلى رتبة البنوة الإلهية آخذين في داخلنا الابن، إذ نتغير على شكله في الروح، آتين في جرأة قائلين: «يا أبَّا الآب». إذن، فالروح هو الله، طالما يجعل أولئك الذين يقبلونه آلهةً.[7]

        وفي في فقرة 13 من مقالة 33 من كتاب كنوز في الثالوث، يظهر كمُّ غنى النعمة الذي في اللاهوت السكندري، ومقدار الحب والألفة التي لآبائنا القديسين في عشرتهم وشركتهم في حياة الثالوث القدوس، والتي يجب أن تكون لنا نحن أيضًا أبناء هذا الكرسي الرسولي؛ فالقديس كيرلس يقتبس القديس بولس الرسول في استنكاره أن يكون هناك موافقة لهيكل الله (نحن) مع الأوثان (من خلال الاشتراك في الطعام المذبوح للوثن) ويصف المؤمنين بأنهم هيكل الله الحي، ثم يقتبس القديس بولس لا 26: 12؛ حز 37: 27 بأن الرب سيسكن فينا ويسير بيننا ويكون لنا إلهًا: «وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: «إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا».

        أما الأمر المؤثر هو تعليق القديس كيرلس على الآية والاقتباس: «إذن إذا أخذنا الروح، نصير هيكلًا وبيت الله، لأن الله يسكن فينا ويتمشى أيضًا داخلنا، كما هو مكتوب، فكيف إذن لا يكون الروح القدس إلهًا، حتى ولو لم يُرِد البعض من المعارضين الذين اعتادوا وأحبوا أن لا يخضعوا للكتاب المقدس؟»[8] القديس كيرلس يُعَبِّر عن قول بولس الرسول وقول العهد القديم في ضوء خبرته الروحية الشخصية؛ فهو يشعر ليس أن الرب يسكن فيه فقط، بل أيضًا يقيم منه فردوسًا يتمشى فيه كما كان في بدء الخليقة (راجع تك 3: 8)! يا لهذه الشركة في الثالوث! ويا لهذا الحب وهذه العشرة الإلهية! هذا هو اللاهوت السكندري وهذه هي النعمة التي نحن فيها مقيمون (رو 5: 2).

       مما سبق، نفهم، لماذا يدافع القديس كيرلس عن ألوهية الروح القدس؛ لأنه إن لم يكن هو الله، لفقدنا رجاءنا وأسباب افتخارنا! إذًا ليس الدفاعُ لغرضٍ جدلي أو نظري بل في صُلب خلاصنا وتمتعنا بغنى الحياة المسيحية والإنجيلية.

القس برسوم مراد

أسيوط، الأحد 4 يونيو 2023م

عيد حلول الروح القدس

 

 

 

 
[1]  تعبير مشهور في كتابات القديسين إيرينيؤس وأثناسيوس وكيرلس وغريغوريوس النيسي وغريغوريوس اللاهوتي، و لا تعني أن الإنسان يصير بالطبيعة إلهًا أو أن طبيعته المخلوقة ستتغير لتصبح غير مخلوقة مثل طبيعة الله، بل تعني أن الإنسان يشترك في الحياة الإلهية، حياة الثالوث القدس ويصير مسكنًا للآب والابن والروح القدس ويصير ابنًا لله.
[2]  كيرلس الكبير، حوار حول الثالوث، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس (القاهرة: المركز الأرثوذكسي لدراسات الآباء، 2014)، 355 – 56.
[3]  المرجع السابق، 358.
[4]  كيرلس الكبير، شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الكبير: ج2، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد (القاهرة: المركز الأرثوذكسي لدراسات الآباء، 2012)، 201 – 02. انظر أيضًا المرجع نفسه صفحة 204، 223.
[5] تعبير مشهور في كتابات القديسين ايريناؤس وأثناسيوس وكيرلس وغريغوريوس النيسي وغريغوريوس اللاهوتي، و لاتعني أن الإنسان يصير بالطبيعة إلهًا أو أن طبيعته المخلوقة ستتغير لتصبح غير مخلوقة مثل طبيعة الله، بل تعني أن الإنسان يشترك في الحياة الإلهية، حياة الثالوث القدس ويصير مسكنًا للآب والابن والروح القدس ويصير ابنًا لله.
[6]  كيرلس الكبير، الكنوز في الثالوث، ترجمة د. جورج عوض إبراهيم (القاهرة: المركز الأرثوذكسي لدراسات الآباء، 2011)، 544 – 545.
[7]  المرجع السابق، 545. [لاحظ أن استخدام لفظة آلهة عن المؤمنين والقديسين في المسيح يسوع هو تعبير مشهور في كتابات القديسين إيرينيؤس وأثناسيوس وكيرلس وغريغوريوس النيسي وغريغوريوس اللاهوتي، و لا تعني أن الإنسان يصير بالطبيعة إلهًا أو أن طبيعته المخلوقة ستتغير لتصبح غير مخلوقة مثل طبيعة الله، بل تعني أن الإنسان يشترك في الحياة الإلهية، حياة الثالوث القدس ويصير مسكنًا للآب والابن والروح القدس ويصير ابنًا لله.]
[8]  الكنوز في الثالوث للقديس كيرلس الكبير، 548.

شارك المقال مع اخرين

اكتشف المزيد

روحية
Rakoty CYCS

إشعياء 58 – بركات قبول الصَّوم

رابعًا: بركات قبول الصَّوم «8 حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ [شَملك].9 حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ.

روحية
Rakoty CYCS

إشعياء 58 – ما هو الصوم المقبول؟

ثالثًا: ما هو الصوم المقبول؟ «6 أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. 7 أَلَيْسَ أَنْ

روحية
Rakoty CYCS

إشعياء 58 – عتاب إلهي

ثانيًّا: عتاب إلهي «1نَادِ بِصَوْتٍ عَال. لاَ تُمْسِكْ. اِرْفَعْ صَوْتَكَ كَبُوق وَأَخْبِرْ شَعْبِي بِتَعَدِّيهِمْ، وَبَيْتَ يَعْقُوبَ بِخَطَايَاهُمْ. 2 وَإِيَّايَ يَطْلُبُونَ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَيُسَرُّونَ بِمَعْرِفَةِ طُرُقِي

عايز تدرس معانا ؟

تصفح العديد من البرامج والدروس المتاحة