fbpx
Search
Close this search box.

إشعياء 58 – ما هو الصوم المقبول؟

ثالثًا: ما هو الصوم المقبول؟

«6 أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. 7 أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ. 8 «حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ. 9 حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا. إِنْ نَزَعْتَ مِنْ وَسَطِكَ النِّيرَ وَالإِيمَاءَ بِالأصْبُعِ وَكَلاَمَ الإِثْمِ 10 وَأَنْفَقْتَ نَفْسَكَ لِلْجَائِعِ، وَأَشْبَعْتَ النَّفْسَ الذَّلِيلَةَ، يُشْرِقُ فِي الظُّلْمَةِ نُورُكَ، وَيَكُونُ ظَلاَمُكَ الدَّامِسُ مِثْلَ الظُّهْرِ. 11 وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ. 12 وَمِنْكَ تُبْنَى الْخِرَبُ الْقَدِيمَةُ. تُقِيمُ أَسَاسَاتِ دَوْرٍ فَدَوْرٍ، فَيُسَمُّونَكَ: مُرَمِّمَ الثُّغْرَةِ، مُرْجِعَ الْمَسَالِكِ لِلسُّكْنَى.»

          لا يُوَبِّخُ الرَّبُّ شعبَهُ دونَ أنْ يُريه الطَّريق الحَقّ؛ فها هو يشرحُ أيَّ نوعٍ من الصَّوم يقبله. يبدو في العدد 6 أنَّ الرَّبَّ يهتَمَّ جِدًّا بتحريرِ العبيدِ ويدعو شعبَهُ إلى هذا، ويستخدم مُصطَلحاتٍ تعود بهم إلى يومِ حرَّرَهُم من عبوديَّة مصر، فيقول لهم: «قيود… النِّير» ورُبَّما يُذَكِّرهُم هذا بما جاء في سِفر اللاَّويينَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمُ الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ كَوْنِكُمْ لَهُمْ عَبِيدًا، وَقَطَّعَ قُيُودَ نِيرِكُمْ وَسَيَّرَكُمْ قِيَامًا.» (لا 26: 13)

          إن العبوديَّة وقيودِها هي ضِدَّ مشيئةِ اللهِ الَّتي كانت من البدءِ: «وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. 27 فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. 28 وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ» (تك 1: 26 – 28). لقد خلقَ اللهُ الإنسانَ على صورتهِ، حُرًّا، سَيِّدًا على الأرضِ، ذي سُلطانٍ على كُلِّ مخلوقات الأرض ما عدا أخيه الإنسان. لا يحِقّ له أنْ يسودَ على أخيه الَّذي هو صورة الله أيضًا وسيدًا مثله. ولعلَّ هذا يقودُنا إلى مُراجعةِ أمرَين بالغي الأهمِّيَّة: هل نحن أحرار حقًّا؟ وهل نحن أُمناء تجاه باقي البشر؛ أيْ لا نسعى لاستعبادِهم على أيِّ نحوٍ ما؟ نحتاج إلى مُراجعةِ علاقاتنا بمَن هُم في وظائف يُنظَرُ إليها على أنَّها وضيعة الشَّأن، وبالفُقراء والمساكين ومَن هُم تحت رئاسَتِنا في العمل. علينا أنْ نحذَر لئلاَّ نُقاوِم مشيئة الله الَّتي هي حُرِّيَّة كُلِّ إنسانٍ.. لئلاَّ نوجد نحن مُقاومينَ لله.

          لعلَّ القارئ يتساءَل: «وإنْ كان مَوقِف الله من العُبوديَّة هكذا، فلماذا تَنُصُّ الشَّريعةُ على وجود العبيد وتَعَدُّد القوانين بخصوصِهم؟». بالفِعل تَضَمَّنَ النَّاموس أحكامًا تختَصُّ بالعبيد (راجع لا 21: 1 – 11)، ولكنَّها تشبه القوانين الخاصَّة بالطَّلاق، رغم أنَّ هذا ليس ما يريده الله: «وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» 4 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ 5 وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. 6 إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». 7 قَالُوا لَهُ: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَق فَتُطَلَّقُ؟» 8 قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا.» (مت 19: 3 – 8). إذن، لقد تضمَّنَت الشَّريعةُ القديمةُ العديدَ من الأحكامِ الَّتي لا تعكس شخصيَّة الله بل شخصيَّة الإنسان القاسية، الَّتي تطلَّبَت من الله تفَهُّمًا ريثما يأتي وقتُ تجديدِ هذه الطَّبيعة البشريَّة القاسية وإعادتها إلى أصلها الأوَّل.

          الصَّوم المقبول والمُختار عند الرَّبِّ هو أعمال الرَّحمة. فالرَّبُّ يدعوك أنْ تكسَر خُبزَك لتُطعِم الجائِع، وأنْ تُدخِل المساكينَ التَّائهينَ إلى بيتـك، وأن تكسي العُريان لأنَّه لحمـك. يبدو من تكرار ضمير الملكية (ك: خبزك – بيتك – لحمك) أنَّ إراحة الآخرينَ وتسديد احتياجاتهم لن تأتي إلاَّ على حسابك! راحة الآخرين تحتاج منك إلى التَّضحية بقدرٍ وبنسبةٍ من راحتك. إذن، أعمال الرَّحمةِ هُنا ليست مُجَرَّد عطايا من الغنيِ إلى الفقير لإراحة ضمير الغنيِ، بل هي أعمال خلاصيَّة، لأنَّها إنعكاسٌ لعملِ المسيح الخلاصيّ الَّذي عمله معنا. فقد تجسَّد مخليًا ذاته من مجده، وكسَّر لك جسدَهُ ليُطعِمَك أيُّها الجائع، وأدخلنا نحن التَّائِهينَ المَساكينَ إلى بيتهِ وبيتِ أبيهِ وحِضنِ أبيهِ، وكَسى لحمَك بلِباسِ الخَلاصِ لما رآكَ عُريانًا من النِّعمةِ، ولكن لِباسُ خَلاصِكَ هذا تَطَلَّبَ من المسيح أنْ يتَعرَّى ليُضرَبَ ويُصلَبَ!

                وهكذا ينكشِفُ لنا أنَّ أعمالَ الرَّحمةِ على هذا المُستوى الخَلاصيّ ستتَضَمَّنَ حتمًا كُلَّ أعماقِ الصَّوم والتَّذَلُّلِ الحقيقيّ من إماتةِ أهواءِ الجسدِ الكائنةِ فينا، بدءًا من الشَّراهةِ، وحُبِّ القُنية والمُمتلَكات، والأنانيَّة، والكِبرياء، ومحبَّة الذَّات. إنَّه صوم كصوم المسيح الأربعينيّ والَّذي استهلَّ به خدمته الباذلة نحو الصَّليب من أجلنا.

                ومع كَون الوصايا هُنا يجب أنْ نأخُذها بالمعنى الحرفيّ، والَّذي يُحَفِّزُنا للعطاءِ المادِّيّ، إلاَّ أنَّ المعنى الرُّوحيّ أيضًا لا يجب استبعاده. فعُبوديَّة النَّفسِ للخطيَّة ولإبليس ليست أمرًا ثانويًّا بالنِّسبةِ للعُبوديَّةِ الجسديَّة، لذا فالصَّوم يعني أنْ تُصَلِّي وتَخدِم تَحَرُّر أبناءِ اللهِ من قبضةِ الخطيَّة والشَّيطان، وأنْ تتقاسَم مع الجائعِ روحيًّا كلمةَ اللهِ الَّتي تتَغَذَّى عليها أنت يوميًّا والَّتي هي خُبز الحياة. وأنْ تخرُج إلى التَّائهينَ روحيًّا وتدخُل بهم إلى بيتك الَّذي هو قلبك، وألاَّ تتغاضى عن خلاص أخيك الَّذي هو لحمُك.

                الجزء الأخير من العدد 9 وكذلك العدد 10 يُمكن أنْ يُضاف لِما سبَق من أعدادٍ تشرح معنى الصَّوم المقبول والمُختار من الله؛ وبعضُها سبَق ذِكره كإنفاقِ الخُبز الشَّخصيّ للجائع وتعزية النُّفوس الذَّليلة بكلماتِ النِّعمة،[1] وفَكّ النِّير عن الأبناء، ولكنَّه يُضيف التَّوقُّف عن الإيماءة بالإصبع، وهي -كما رأى العديد من المُفَسِّرين- إشارةٌ بالإصبع تحمل معاني السُّخرية والازدراء، وكأنَّك تقول للشَّخص: «أنت أحمق».[2]  والتَّوَقُّف عن كلام الإثم الَّذي هو الشَّتائم والنَّميمة والإدانة والكلام الَّذي يحمل الإيماءات الجنسيَّة.

القس برسوم مراد، أسيوط

2 أبريل 2024

[1] Rashi on Isaiah 58: 10. Accessed 3/14/2024. Available https://www.sefaria.org/Isaiah.58.7?lang=en&with=Ibn%20Ezra&lang2=en&p3=Rashi_on_Isaiah.58.10.1&lang3=en
[2] See: Elicottʼs and Benson Commentary. Accessed 3/14/2024. Available https://biblehub.com/commentaries/isaiah/58-9.htm

شارك المقال مع اخرين

اكتشف المزيد

روحية
Rakoty CYCS

إشعياء 58 – بركات قبول الصَّوم

رابعًا: بركات قبول الصَّوم «8 حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ [شَملك].9 حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ.

روحية
Rakoty CYCS

إشعياء 58 – عتاب إلهي

ثانيًّا: عتاب إلهي «1نَادِ بِصَوْتٍ عَال. لاَ تُمْسِكْ. اِرْفَعْ صَوْتَكَ كَبُوق وَأَخْبِرْ شَعْبِي بِتَعَدِّيهِمْ، وَبَيْتَ يَعْقُوبَ بِخَطَايَاهُمْ. 2 وَإِيَّايَ يَطْلُبُونَ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَيُسَرُّونَ بِمَعْرِفَةِ طُرُقِي

عايز تدرس معانا ؟

تصفح العديد من البرامج والدروس المتاحة